حيدر حب الله

56

دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية

الزمنية بين المتلقِّي والحادثة المنقولة ، هذا هو الطبع الذي يسير عليه العقلاء في مثل هذه الظروف ؛ ذلك كلّه لأخذ ما ينقل لهم موثوقاً معتمَداً . إنّ ظاهرة الكذب على النبي صلى الله عليه واله تبلورت بعيد وفاته ؛ لأنّ المسلمين انقسموا بعده إلى فرق ، وصارت كلّ فرقةٍ تحاول أن تحشد من أقواله ما يؤيّد وجهتها ويشرّع موقفها ، حتى وصل الأمر إلى الكذب عليه واختلاق الأحاديث على لسانه ، وهذا أمرٌ متفق عليه بين المسلمين . وفي مقابل هذا صارت الفرق الأخرى تواجه محاولات الاستفادة من أقواله صلى الله عليه واله بالسؤال عن أحوال رواة هذه الأحاديث والمنقولات ، والتشكيك فيما يروونه ، واتهامهم بالكذب والوضع والتزوير في حديث النبي ، وازدادت حدّة هذا الوعي الرجالي مع تقدّم الزمن ، وبالتحديد عندما خرج ذلك النزاع إلى الدائرة الفكرية ، وتحوّلت تلك الفرق إلى مذاهب كلامية ؛ لأنّ طبيعة النزاع الفكري يدعو إلى استحضارٍ أكثر لقول النبي وفعله وتقريره دعماً للآراء المتبنّاة . إنّ هذا السياق التحليلي للواقع التاريخي يفرض ارتفاع احتمال الكذب والوضع والتزوير عليه صلى الله عليه واله ، وما ساعد على ذلك أكثر اتّساعُ رقعة الدولة الإسلامية وازدياد الفاصلة الزمنية بينهم وبين العصر النبوي ؛ فما يقوله ابن سيرين من أنّ التساؤل عن أحوال الرواة جاء متأخّراً معقولٌ جداً ، حيث ينقل الإمام مسلم بسنده إلى ابن سيرين أنّه قال : « لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سمّوا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم » « 1 » ، وفي صيغة أخرى نقلها الخطيب

--> ( 1 ) صحيح مسلم 1 : 11 ؛ وانظر : سنن الترمذي 5 : 396 ؛ والكفاية في علم الرواية : 150 ؛ والسمعاني ، أدب الإملاء والاستملاء : 11 .